فخر الدين الرازي
380
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الرابعة : قرأ نافع حَتَّى يَقُولَ برفع اللام والباقون بالنصب ، ووجهه أن ( حتى ) إذا نصبت المضارع تكون على ضربين أحدهما : أن تكون بمعنى : إلى ، وفي هذا الضرب يكون الفعل الذي حصل قبل ( حتى ) والذي حصل بعدها قد وجدا ومضيا ، تقول : سرت حتى أدخلها ، أي إلى أن أدخلها ، فالسير والدخول قد وجدا مضيا ، وعليه النصب في هذه الآية ، لأن التقدير : وزلزلوا إلى أن يقول الرسول ، والزلزلة والقول قد وجدا والثاني : أن تكون بمعنى : كي ، كقوله : أطعت اللّه حتى أدخل الجنة ، أي كي أدخل الجنة ، والطاعة قد وجدت والدخول لم يوجد ، ونصب الآية لا يمكن أن يكون على هذا الوجه ، وأما الرفع فاعلم أن الفعل الواقع بعد ( حتى ) لا بد وأن يكون على سبيل الحال المحكية التي وجدت ، كما حكيت الحال في قوله : هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ [ القصص : 15 ] وفي قوله : وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [ الكهف : 18 ] لأن هذا لا يصح إلا على / سبيل أن في ذلك الوقت كان يقال هذا الكلام ، ويقال : شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه ، والمعنى شربت حتى إن من حضر هناك يقال : يجيء البعير يجر بطنه ، ثم هذا قد يصدق عند انقضاء السبب وحده دون المسبب ، كقولك : سرت حتى أدخل البلد . فيحتمل أن السير والدخول قد وجدا وحصلا ، ويحتمل أن يكون قد وجد السير والدخول بعد لم يوجد ، فهذا هو الكلام في تقرير وجه النصب ووجه الرفع ، واعلم أن الأكثرين اختاروا النصب لأن قراءة الرفع لا تصح إلا إذا جعلنا الكلام حكاية عمن يخبر عنها حال وقوعها ، وقراءة النصب لا تحتاج إلى هذا الفرض فلا جرم كانت قراءة النصب أولى . المسألة الخامسة : في الآية إشكال ، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد اللّه ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد مَتى نَصْرُ اللَّهِ . والجواب عنه من وجوه أحدها : أن كونه رسولا لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء ، قال تعالى : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ [ الحجر : 97 ] وقال تعالى : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 3 ] وقال تعالى : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ [ يوسف : 110 ] وعلى هذا فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته ، وكان قد سمع من اللّه تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له الوقت في ذلك ، قال عند ضيق قلبه : مَتى نَصْرُ اللَّهِ حتى إنه إن علم قرب الوقت زال همه وغمه وطاب قلبه ، والذي يدل على صحة ذلك أنه قال في الجواب : أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ فلما كان الجواب بذكر القرب دل على أن السؤال كان واقعا عن القرب ، ولو كان السؤال وقع عن أنه هل يوجد النصر أم لا ؟ لما كان هذا الجواب مطابقا لذلك السؤال ، وهذا هو الجواب المعتمد . والجواب الثاني : أنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولا ثم ذكر كلامين أحدهما : مَتى نَصْرُ اللَّهِ والثاني : أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ فوجب إسناد كل واحد من هذين الكلامين إلى واحد من ذينك المذكورين : فالذين آمنوا قالوا : مَتى نَصْرُ اللَّهِ والرسول صلى اللّه عليه وسلّم قال : أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ قالوا ولهذا نظير من القرآن والشعر ، أما القرآن فقوله : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [ القصص : 73 ] والمعنى : لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار ، وأما من الشعر فقول امرئ القيس : كأن قلوب الطير رطبا ويابسا * لدي وكرها العناب والحشف البالي فالتشبيه بالعناب للرطب وبالحشف البالي لليابس ، فهذا جواب ذكره قوم وهو متكلف جدا .